الغزالي

485

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

إليك مشتاق . قال : « فلا تبرح إذا حتى يجيء » وأذن للنساء ، فقال : « يا فاطمة إدني » فأكبّت عليه فناجاها ، فرفعت رأسها وعيناها تدمع ، وما تطيق الكلام ، ثم قال : « ادني مني رأسك » فأكبت عليه فناجاها ، فرفعت رأسها وهي تضحك ، وما تطيق الكلام ، فكان الذي رأيناه منها عجبا ، فسألناها بعد ذلك فقالت : أخبرني وقال : « إني ميّت اليوم » فبكيت ، ثم قال : « إني دعوت اللّه أن يلحقك بي في أول أهلي ، وأن يجعلك معي » فضحكت ، وأدنت ابنيها منه ، فشمهما ، قالت : وجاء ملك الموت فسلم واستأذن ، فأذن له ، فقال الملك : ما تأمرنا يا محمد ؟ قال : « ألحقني بربي الآن » فقال : بلى من يومك هذا ، أما إن ربك إليك مشتاق . ولم يتردد عن أحد تردده عنك ، ولم ينهني عن الدخول على أحد إلا بإذن غيرك ، ولكن ساعتك أمامك . وخرج . قالت : وجاء جبريل فقال : السلام عليك يا رسول اللّه ، هذا آخر ما أنزل فيه إلى الأرض أبدا ، طوى الوحي ، وطويت الدنيا ، وما كان لي في الأرض حاجة غيرك وما لي فيها حاجة إلا حضورك ، ثم لزوم موقفي . لا والذي بعث محمدا بالحقّ ما في البيت أحد يستطيع أن يحير إليه في ذلك كلمة ، ولا يبعث إلى أحد من رجاله لعظم ما نسمع من حديثه ، ووجدنا وإشفاقنا . قالت : فقمت إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى أضع رأسه بين ثدييّ ، وأمسكت بصدره ، وجعل يغمى عليه حتى يغلب ، وجبهته ترشح رشحا ما رأيته من إنسان قط ، فجعلت أسلت « 1 » ذلك العرق ، وما وجدت رائحة شيء أطيب منه ، فكنت أقول له إذا أفاق : بأبي أنت وأمي ، ونفسي وأهلي ، ما تلقى جبهتك من الرشح ، فقال : « يا عائشة ، إن نفس المؤمن تخرج بالرشح ، ونفس الكافر تخرج من شدقيه كنفس الحمار » . فعند ذلك ارتعدنا ، وبعثنا إلى أهلنا فكان أول رجل جاءنا ولم يشهده أخي بعثه إليّ أبي ، فمات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل أن يجيء أحد ، وإنما صدّهم اللّه عنه ، لأنه ولاه جبريل وميكائيل ، وجعل إذا أغمي عليه قال : « بل الرفيق الأعلى » كأن الخيرة تعاد عليه ، فإذا أطلق الكلام قال : « الصلاة الصلاة ، إنكم لا تزالون متماسكين ما صليتم جميعا ،

--> ( 1 ) أسلت : أمسح .